محمد بن جرير الطبري

36

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

حدثني الحرث ، قال ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال مجاهد : خلق الانسان من عجل قال آدم حين خلق بعد كل شئ ثم ذكر نحوه ، غير أنه قال في حديثه : استعجل بخلقي فقد غربت الشمس . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : خلق الانسان من عجل قال : على عجل آدم آخر ذلك اليوم من ذينك اليومين ، يريد يوم الجمعة ، وخلقه على عجل ، وجعله عجولا . وقال بعض أهل العربية من أهل البصرة ممن قال نحو هذه المقالة : إنما قال : خلق الانسان من عجل وهو يعني أنه خلقه من تعجيل من الامر ، لأنه قال : إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون قال : فهذا العجل . وقوله : فلا تستعجلون إني سأريكم آياتي . وعلى قول صاحب هذه المقالة ، يجب أن يكون كل خلق الله خلق على عجل ، لان كل ذلك خلق بأن قيل له كن فكان . فإذا كان ذلك كذلك ، فما وجه خصوص الانسان إذا بذكر أنه خلق من عجل دون الأشياء كلها وكلها مخلوق من عجل ؟ وفي خصوص الله تعالى ذكره الانسان بذلك الدليل الواضح ، على أن القول في ذلك غير الذي قاله صاحب هذه المقالة . وقال آخرون منهم : هذا من المقلوب ، وإنما خلق العجل من الانسان ، وخلقت العجلة من الانسان . وقالوا : ذلك مثل قوله : ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إنما هو : لتنوء العصبة بها متثاقلة . وقالوا : هذا وما أشبهه في كلام العرب كثير مشهور . قالوا : وإنما كلم القوم بما يعقلون . قالوا : وذلك مثل قولهم : عرضت الناقة ، وكقولهم : إذا طلعت الشعرى واستوت العود على الحرباء أي استوت الحرباء على العود ، كقول الشاعر :